الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

18

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أن جدارتهم بما سيذكر بعد اسم الإشارة حصلت من اتصافهم بتلك الصفات على نحو قوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] بعد قوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ إلى آخره في سورة البقرة [ 2 ] . والمعنى : أولئك هم الأحقاء بأن يكونوا الوارثين بذلك . وتوسيط ضمير الفصل لتقوية الخبر عنهم بذلك ، وحذف معمول الْوارِثُونَ ليحصل إبهام وإجمال فيترقب السامع بيانه فبين بقوله : الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ قصدا لتفخيم هذه الوراثة ، والإتيان في البيان باسم الموصول الذي شأنه أن يكون معلوما للسامع بمضمون صلته إشارة إلى أن تعريف الْوارِثُونَ تعريف العهد كأنه قيل : هم أصحاب هذا الوصف المعروفون به . واستعيرت الوراثة للاستحقاق الثابت لأن الإرث أقوى الأسباب لاستحقاق المال ، قال تعالى : وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الزخرف : 72 ] . والفردوس : اسم من أسماء الجنّة في مصطلح القرآن ، أو من أسماء أشرف جهات الجنات ، وأصل الفردوس : البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر . وفي الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال لأم حارثة بن سراقة لمّا أصابه سهم غرب يوم بدر فقتله ، وقالت أمّه : إن كان في الجنّة أصبر وأحتسب فقال لها : « ويحك أهبلت أو جنّة واحدة هي ، إنّها لجنان كثيرة وإنه لفي الفردوس » . وقد ورد في فضل هذه الآيات حديث عن عمر بن الخطاب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « أنزل عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [ المؤمنون : 1 ] حتى ختم عشر آيات . قال ابن العربي في « العارضة » : قوله : الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هي العاشرة ، رواه الترمذي وصححه . [ 12 - 14 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 12 إلى 14 ] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) الواو عاطفة غرضا على غرض ويسمى عطف القصّة على القصّة ، فللجملة حكم الاستيناف لأنها عطف على جملة قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [ المؤمنون : 1 ] التي هي ابتدائية وهذا شروع في الاستدلال على انفراد اللّه تعالى بالخلق وبعظيم القدرة التي لا يشاركه فيها غيره ، وعلى أن الإنسان مربوب للّه تعالى وحده ، والاعتبار بما في خلق الإنسان وغيره من